محمد جمال الدين القاسمي

28

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً اعلم أن في الآية وجوها يحتملها النظم الكريم . الأول : أن يراد بالسفهاء اليتامى . كما روي عن سعيد بن جبير . والخطاب حينئذ للأولياء . نهوا أن يؤتوا اليتامى أموالهم مخافة أن يضيعوها لقلة عقولهم . لأن السفيه هو الخفيف الحلم . وإنما أضيفت للأولياء ، وهي لليتامى ، تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء . فكأن أموالهم عين أموالهم . لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسيّ والنسبيّ . مبالغة في حملهم على المحافظة عليها . كما قال تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] . أي لا يقتل بعضكم بعضا . حيث عبر عن بني نوعهم بأنفسهم ، مبالغة في زجرهم عن قتلهم . فكأن قتلهم قتل أنفسهم . وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء ، بقوله تعالى : الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً . أي جعلها اللّه شيئا تقومون وتنتعشون . فلو ضيعتموها لضعتم . وقوله تعالى : وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم . بأن تتجروا وتتربحوا . حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال . وقوله سبحانه : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم . ومنه أن يعدهم عدة جميلة ، بأن يقول وليهم : إذا صلحتم ورشدتم ، سلمنا إليكم أموالكم . ( الوجه الثاني ) أن يراد بالسفهاء الناس والصبيان . روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما . فالخطاب عام والنهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوّله اللّه تعالى من المال فيعطيه امرأته وأولاده . ثم ينظر إلى أيديهم . وإنما سماهم سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما على أنفسهم . قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول : لا تعمد إلى مالك ما خوّلك اللّه وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تنظر إلى ما في أيديهم . ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم . ( الوجه الثالث ) أن يراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال . فيدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفا بهذه الصفة . قال الرازيّ : وهذا القول أولى . لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز . قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : في هذه الآية الحجر على السفيه . وأنه لا يمكّن من ماله . وأنه ينفق عليه منه ويكسي ، ولا ينفق في التبرعات . وأنه يقال له معروف . ك ( إن رشدت دفعنا إليك مالك . وإنما يحتاط لنفعك ) .